ابراهيم بن عمر البقاعي
250
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
تحقيقا له وإبلاغا في التعريف بمقدار بعد الأقصى فقال : جاءَهَا أي القرية لإنذار أهلها الْمُرْسَلُونَ * أي عن اللّه لكونهم عن رسوله عيسى عليه السّلام أرسلهم بأمره لإثبات ما يرضيه سبحانه ونفي ما يكرهه الذين هم من جملة من قيل في فاطر إنهم جاؤوا بالبينات وبالزبر ، والتعريف إما لكونهم يعرفون القرية ويعرفون أمرها ، وإما لأنه شهير جدا فهم بحيث لو سألوا أحدا من أهل الكتاب الذين يعتنون بها أخبرهم به ، لأنه قد عهد منهم الرجوع إليهم بالسؤال ليبينوا لهم - كما زعموا - مواضع الإشكال . ولما كان أعظم مقاصد السياق تسلية النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في توقفهم عن المبادرة إلى الإيمان به مع دعائه بالكتاب الحكيم إلى الصراط المستقيم ، وكان في المشاركة في المصائب أعظم تسلية ، أبدل من قوله إِذْ جاءَهَا تفصيلا لذلك المجيء قوله ، مسندا إلى نفسه المقدس لكونه أعظم في التسلية : إِذْ أَرْسَلْنا أي على ما لنا من العظمة . ولما كان المقصود بالرسالة أصحابها قال : إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ أي ليعضد أحدهما الآخر فيكون أشد لأمرهما فأخبراهم بإرسالهما إليهم كأن قالا : نحن رسولان إليكم لتؤمنوا باللّه فَكَذَّبُوهُما أي مع ما لهما من الآيات ، لأنه من المعلوم أنا ما أرسلنا رسولا إلا كان معه من الآيات ما مثله آمن عليه البشر ، سواء كان عنا من غير واسطة أو كان بواسطة رسولنا ، كما كان للطفيل بن عمرو الدوسي ذي النور لما ذهب إلى قومه وسأل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن تكون له آية فكانت نورا في جبهته ، ثم سأل أن تكون في غير وجهه فكانت في سوطه « 1 » . ولما كان التضافر على الشيء أقوى لشأنه ، وأعون على ما يراد منه ، سبب عن ذلك قوله حاذفا المفعول لفهمه من السياق ، ولأن المقصود إظهار الاقتدار على إيقاع الفعل وتصريفه في كل ما أريد له : فَعَزَّزْنا أي فأوقعنا العزة ، وهي القوة والشدة والغلبة ، لأمرنا أو لرسولنا بسبب ما وقع لهما من الوهن بالتكذيب ، فحصل ما أردنا من العزة - بما أشارت إليه قراءة أبي بكر عن عاصم بالتخفيف بِثالِثٍ أرسلناه بما أرسلناهما به فَقالُوا أي الثلاثة بعد أن أتوهم وظهر لهم إصرارهم على التكذيب ، مؤكدين بحسب ما رأوا من تكذيبهم : إِنَّا إِلَيْكُمْ أي لا إلى غيركم مُرْسَلُونَ * قالُوا أي أهل القرية : ما أَنْتُمْ أي وإن زاد عددكم إِلَّا ولما نقض الاستثناء النفي زال شبهة ما تلبس فزال عملها فارتفع قوله : بَشَرٌ مِثْلُنا أي فما وجه الخصوصية لكم
--> ( 1 ) ذكره ابن حجر في الإصابة 2 / 225 في ترجمة الطفيل وقال : رواه الطبري من طريق ابن الكلبي ، وذكره أبو الفرج الأصبهاني من طريق ابن الكلبي أيضا ا ه وابن الكلبي واه .